فصل: التّعريف

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


خنزير

التّعريف‏:‏

1 - الخنزير حيوان خبيث‏.‏ قال الدّميريّ‏.‏ الخنزير يشترك بين البهيميّة والسّبعيّة، فالّذي فيه من السّبع النّاب وأكل الجيف، والّذي فيه من البهيميّة الظّلف وأكل العشب والعلف‏.‏

أحكام الخنزير

2 - تدور أحكام الخنزير على اعتبارات‏:‏

الأوّل‏:‏ تحريم لحمه وسائر أجزائه‏.‏ الثّاني‏:‏ اعتبار نجاسة عينه‏.‏ والثّالث‏:‏ اعتبار ماليّته‏.‏ وترتّب على كلّ من هذه الاعتبارات أو على جميعها جملة من الأحكام الشّرعيّة‏.‏

3 - أمّا الاعتبار الأوّل فقد أجمعت الأمّة على حرمة أكل لحم الخنزير إلاّ لضرورة‏.‏

لقوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏‏.‏

ونصّ الحنابلة على تقديم أكل الكلب على الخنزير عند الضّرورة، وذلك لقول بعض الفقهاء بعدم تحريم أكل الكلب‏.‏ كما يقدّم شحم الخنزير وكليته وكبده على لحمه، لأنّ اللّحم يحرم تناوله بنصّ القرآن، فلا خلاف فيه‏.‏

ونصّ المالكيّة على وجوب تقديم ميتة غير الخنزير على الخنزير عند اجتماعهما، لأنّ الخنزير حرام لذاته، وحرمة الميتة عارضة‏.‏

وأمّا الاعتبار الثّاني‏:‏ وهو اعتبار نجاسة عينه‏:‏

4 - فقد اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على نجاسة عين الخنزير، وكذلك نجاسة جميع أجزائه وما ينفصل عنه كعرقه ولعابه ومنيّه وذلك لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏‏.‏

والضّمير في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ‏}‏ راجع إلى الخنزير فيدلّ على تحريم عين الخنزير وجميع أجزائه‏.‏ وذلك لأنّ الضّمير إذا صلح أن يعود إلى المضاف وهو ‏"‏ اللّحم ‏"‏ والمضاف إليه وهو ‏"‏ الخنزير ‏"‏ جاز أن يعود إليهما‏.‏

وعوده إلى المضاف إليه أولى في هذا المقام لأنّه مقام تحريم، لأنّه لو عاد إلى المضاف وهو اللّحم لم يحرم غيره، وإن عاد إلى المضاف إليه حرم اللّحم وجميع أجزاء الخنزير‏.‏ فغير اللّحم دائر بين أن يحرم وأن لا يحرم فيحرم احتياطاً وذلك بإرجاع الضّمير إليه طالما أنّه صالح لذلك، ويقوّي إرجاع الضّمير إلى ‏"‏ الخنزير ‏"‏ أنّ تحريم لحمه داخل في عموم تحريم الميتة، وذلك لأنّ الخنزير ليس محلّاً للتّذكية فينجس لحمه بالموت‏.‏

وذهب المالكيّة إلى طهارة عين الخنزير حال الحياة، وذلك لأنّ الأصل في كلّ حيّ الطّهارة، والنّجاسة عارضة،فطهارة عينه بسبب الحياة، وكذلك طهارة عرقه ولعابه ودمعه ومخاطه‏.‏ وممّا يترتّب على الحكم بنجاسة عين الخنزير‏:‏‏:‏

أوّلاً‏:‏ دباغ جلد الخنزير

5 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يطهر جلد الخنزير بالدّباغ ولا يجوز الانتفاع به لأنّه نجس العين، والدّباغ كالحياة، فكما أنّ الحياة لا تدفع النّجاسة عنه، فكذا الدّباغ‏.‏

ووجّه المالكيّة قولهم بعدم طهارة جلد الخنزير بالدّباغ بأنّه ليس محلّاً للتّذكية إجماعاً فلا تعمل فيه فكان ميتةً فلا يطهر بالدّباغ ولا يجوز الانتفاع به‏.‏

ويتّفق المذهب عند الحنابلة والمالكيّة في أنّ جلد الميتة من أيّ حيوان لا يطهر بالدّباغ، ولكنّهم يجوّزون الانتفاع به بعد الدّباغ في غير المائعات عند الحنابلة، وفي المائعات كذلك مع اليابسات عند المالكيّة إلاّ الخنزير فلا تتناوله الرّخصة‏.‏

وروي عن أبي يوسف أنّ جلد الخنزير يطهر بالدّباغ‏.‏

ويقابل الرّواية المشهورة عند المالكيّة ما شهره عبد المنعم بن الفرس من أنّ جلد الخنزير كجلد غيره في جواز استعماله في اليابسات والماء إذا دبغ سواء ذكّي أم لا‏.‏

ثانياً‏:‏ سؤر الخنزير

6 - ذهب الشّافعيّة والحنفيّة والحنابلة إلى نجاسة سؤر الخنزير لكونه نجس العين، وكذا لعابه لأنّه متولّد عنه‏.‏ ويكون تطهير الإناء إذا ولغ فيه بأن يغسل سبعاً إحداهنّ بالتّراب - عند الشّافعيّة والحنابلة - لحديث أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرّات» وفي رواية‏:‏ «فليرقه ثمّ ليغسله سبع مرّات» وفي أخرى‏:‏

«طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات أولاهنّ بالتّراب»‏.‏

قالوا‏:‏ فإذا ثبت هذا في الكلب فالخنزير أولى لأنّه أسوأ حالاً من الكلب وتحريمه أشدّ، لأنّ الخنزير لا يقتنى بحال، ولأنّه مندوب إلى قتله من غير ضرر، ولأنّه منصوص على تحريمه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ‏}‏ فثبت وجوب غسل ما ولغ فيه بطريق التّنبيه‏.‏ وعند الحنفيّة‏:‏ يكون تطهير الإناء إذا ولغ فيه خنزير بأن يغسل ثلاثاً‏.‏

وذهب المالكيّة إلى عدم نجاسة سؤر الخنزير وذلك لطهارة لعابه عندهم، وقد ثبت غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب تعبّداً فلا يدخل فيه الخنزير، وفي قول آخر للمالكيّة‏:‏ يندب الغسل‏.‏

ثالثاً‏:‏ حكم شعره

7 - ذهب الجمهور إلى نجاسة شعر الخنزير فلا يجوز استعماله لأنّه استعمال للعين النّجسة‏.‏ وعند الشّافعيّة لو خرز خفّ بشعر الخنزير لم يطهر محلّ الخرز بالغسل أو بالتّراب لكنّه معفوّ عنه، فيصلّى فيه الفرائض والنّوافل لعموم البلوى‏.‏

وعند الحنابلة يجب غسل ما خرز به رطبًا ويباح استعمال منخل من الشّعر النّجس في يابس لعدم تعدّي نجاسته، ولا يجوز استعماله في الرّطب لانتقال النّجاسة بالرّطوبة‏.‏

وأباح الحنفيّة استعمال شعره للخرازين للضّرورة‏.‏

وذهب المالكيّة إلى طهارة شعر الخنزير فإذا قصّ بمقصّ جاز استعماله وإن وقع القصّ بعد الموت، لأنّ الشّعر ممّا لا تحلّه الحياة، وما لا تحلّه الحياة لا ينجس بالموت، إلاّ أنّه يستحبّ غسله للشّكّ في طهارته ونجاسته‏.‏ أمّا إذا نتف فلا يكون طاهراً‏.‏

رابعاً‏:‏ حكم التّداوي بأجزائه

8 - اتّفق الفقهاء على عدم جواز التّداوي بالنّجس والمحرّم ‏"‏ في الجملة ‏"‏ وهو شامل للخنزير‏.‏ وتقدّم تفصيله في مصطلح ‏(‏تداوي‏)‏‏.‏

خامساً‏:‏ تحوّل عين الخنزير

9 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو رواية عن أحمد إلى أنّ نجس العين يطهر باستحالته إلى عين أخرى، فإذا استحالت عين الخنزير إلى ملح فإنّه يطهر‏.‏

وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ نجس العين لا يطهر بالاستحالة، واستثنوا من ذلك الخمر وجلد الميتة‏.‏ وقد تقدّم تفصيله في مصطلح ‏(‏تحوّل ف / 3 - 5‏)‏‏.‏

الاعتبار الثّالث‏:‏ اعتبار ماليّة الخنزير

10 - اتّفق الفقهاء على عدم اعتبار الخنزير مالاً متقوّماً في حقّ المسلم‏.‏ وذلك لأنّ المال هو ما يمكن الانتفاع به شرعاً في غير الضّرورات، والخنزير لا يمكن الانتفاع به لنجاسة عينه ولنهي الشّارع عن بيعه كما يأتي‏.‏ ويظهر أثر عدم اعتبار الخنزير مالاً في الآتي‏:‏

أوّلاً‏:‏ عدم صحّة بيعه وشرائه

أجمع الفقهاء على عدم صحّة بيع الخنزير وشرائه، ولحديث جابر بن عبد اللّه‏:‏ «إنّ اللّه تعالى ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل‏:‏ يا رسول اللّه، أرأيت شحوم الميتة فإنّه يطلى بها السّفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها النّاس، فقال‏:‏ لا، هو حرام، ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند ذلك‏:‏ قاتل اللّه اليهود إنّ اللّه لمّا حرّم شحومها جملوه ثمّ باعوه فأكلوا ثمنه» ولأنّ من شرط المعقود عليه - سواء أكان ثمناً أم مثمّناً - أن يكون طاهراً وأن ينتفع به شرعاً ‏.‏

والأصل في حلّ ما يباع أن يكون منتفعاً به لأنّ بيع غير المنتفع به شرعاً لا يتحقّق به الرّضا، فيكون من أكل المال بالباطل، وهو منهيّ عنه لقوله تعالى ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً‏}‏‏.‏

والخنزير إن كان فيه بعض المنافع إلاّ أنّها محرّمة شرعاً، والمعدوم شرعًا كالمعدوم حسّاً‏.‏

وفصّل الحنفيّة في حكم بيع الخنزير فهو عندهم باطل إذا بيع بدراهم أو دنانير، وفاسد إذا بيع بعين، على قولهم بالتّفريق بين البطلان والفساد‏.‏

والفرق بين بيعه بدراهم أو دنانير وبين بيعه بعين، أنّ الشّرع أمر بإهانة الخنزير وترك إعزازه وفي شرائه بدراهم أو دنانير إعزاز له، لأنّها غير مقصودة في العقد لكونها وسيلةً للتّملّك، وإنّما المقصود الخنزير، ولذا كان بيعه بهما باطلًا ويسقط التّقوّم‏.‏

أمّا إذا بيع بعين كالثّياب، فقد وجدت حقيقة البيع لأنّه مبادلة مال بمال، والخنزير يعتبر مالاً في بعض الأحوال كما هو عند أهل الكتاب، إلاّ أنّه في هذه الصّورة يعتبر كلّ منهما ثمناً ومبيعاً‏.‏ ورجّح اعتبار الثّوب مبيعاً تصحيحاً لتصرّف العقلاء الّذي يقضي بأن يكون الإعزاز للثّوب وهو المقصود بالعقد لا الخنزير‏.‏ فتكون تسمية الخنزير في العقد معتبرةً في تملّك الثّوب لا في نفس الخنزير، فيفسد العقد لفساد الثّمن المسمّى وتجب قيمة الثّوب دون الخنزير‏.‏

إقرار أهل الذّمّة على اقتناء الخنزير

11 - اتّفق الفقهاء على أنّ أهل الذّمّة يقرّون على ما عندهم من خنازير إلاّ أنّهم يمنعون من إظهارها، ويمنعون من إطعامها مسلماً، فإذا أظهروها أتلفت ولا ضمان‏.‏

وقيّد الشّافعيّة عدم تمكينهم من إظهارها بأن يكونوا بين أظهر المسلمين إذا انفردوا بمحلّة من البلد، أمّا إذا انفردوا ببلد بأن لم يخالطهم مسلم لم يتعرّض لهم‏.‏

وذهب الشّافعيّة إلى إجبار الزّوجة الكتابيّة على ترك أكل الخنزير،لأنّه منفّر من كمال التّمتّع، وخالفهم في هذا المالكيّة فليس للزّوج عندهم منعها منه‏.‏

سرقة الخنزير أو إتلافه

12 - أ - اتّفق الفقهاء على أنّه لا قطع ولا ضمان على من سرق أو أتلف خنزير المسلم لكونه غير محترم، ولا متقوّم، لعدم جواز تملّكه وبيعه واقتنائه‏.‏

ب - وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ من أتلف خنزير الذّمّيّ فإنّه يضمنه ويلزمه ردّه إذا سرقه‏.‏ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اتركوهم وما يدينون» وهم يدينون بماليّة الخنزير وهو من أنفس الأموال عندهم لأنّه كالشّاة عندنا‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا قبلوها» يعني الجزية «أعلمهم أنّ لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين» وللمسلمين التّضمين بإتلاف ما يعتقدونه مالاً فكذا يكون الذّمّيّ، بخلاف المسلم لأنّه ليس مالاً في حقّه أصلاً‏.‏

وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا غصب مسلم لأهل الذّمّة خنزيراً ردّ إليهم لعموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه» فإذا أتلفه لم يضمنه لأنّه غير متقوّم كسائر النّجاسات فليس له عوض شرعيّ، سواء أظهروه أو لم يظهروه‏.‏

إلاّ أنّه يأثم إذا أتلفه في حال عدم إظهارهم له‏.‏

13 - الخنزير البحريّ‏:‏ سئل مالك عنه فقال أنتم تسمّونه خنزيراً يعني أنّ العرب لا تسمّيه بذلك لأنّها لا تعرف في البحر خنزيراً والمشهور أنّه الدّلفين‏.‏

قال الرّبيع سئل الشّافعيّ رضي الله عنه عن خنزير الماء فقال يؤكل وروى أنّه لمّا دخل العراق قال فيه حرّمه أبو حنيفة وأحلّه ابن أبي ليلى وروى هذا القول عن عمر وعثمان وابن عبّاس وأبي أيّوب الأنصاريّ وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم والحسن البصريّ والأوزاعيّ واللّيث، وامتنع مالك أن يقول فيه شيئاً وأبقاه مرّةً أخرى على جهة الورع وحكى ابن أبي هريرة عن ابن خيران أنّ أكّاراً صاد له خنزير ماء وحمله إليه فأكله، وقال كان طعمه موافقاً لطعم الحوت سواءً، وقال ابن وهب سألت اللّيث بن سعد عنه فقال إن سمّاه النّاس خنزيراً لم يؤكل لأنّ اللّه حرّم الخنزير‏.‏

خنق

التّعريف

1 - الخنِق بكسر النّون والخنْق بسكونها مصدر خنق يَخنقُ إذا عصر حلقه حتّى يموت، والتّخنيق مصدر خنّق ومنه الخناق، والخناق الحبل الّذي يخنق به‏.‏

ويستعمل في الاصطلاح عند الفقهاء في نفس المعنى اللّغويّ، بأيّ وسيلة كان الخنق بحبل أو غيره، كأن جعل في عنقه حبلاً ثمّ علّقه في شيء عن الأرض، أو خنقه بيديه أو سدّ فمه وأنفه أو نحو ذلك‏.‏

الحكم الإجمالي

أوّلاً‏:‏ في الصّيد والذّبائح

2 - اتّفق الفقهاء على أنّ الحيوان الّذي من شأنه أن يذبح فإنّه لا يحلّ بالخنق لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ‏}‏ كذلك يحرم الأكل من الصّيد الّذي مات بالخناق بحبل منصوب له، أو الّذي خنقه الكلب المعلّم من غير جرح، لعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْمُنْخَنِقَةُ‏}‏ وتفصيله في مصطلح‏:‏ ‏(‏صيد، ذبائح‏)‏‏.‏

ثانياً‏:‏ في القتل

3 - ذهب جمهور الفقهاء وهم المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة والصّاحبان من الحنفيّة إلى أنّ القتل بالخنق قتل عمد يوجب القود، فيقتل به الجاني قصاصاً، لأنّ العمد قصد الفعل الّذي وقع به القتل بما يتلف غالباً جارحاً أو لا، كما يقول الشّافعيّة والحنابلة، وهذا يشمل التّخنيق والتّغريق، كما يشمل الإلقاء من شاهق، والقتل بمثقل، ولأنّ قصد العدوان يكفي ليكون القتل عمداً موجباً للقصاص عند المالكيّة، سواء أقصد الجاني قتل المجنيّ عليه أم قصد مجرّد ضربه وتعذيبه فمات‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ لا قصاص في القتل بالخنق والتّغريق والقتل بالمثقّل، لأنّه ليس عمداً، بل شبه عمد، وقال‏:‏ العمد ما تعمّد قتله بالحديد كالسّيف والسّكّين والرّمح والخنجر والنّشّابة والإبرة والإشفى‏.‏ ونحوها ممّا يفرّق أجزاء البدن‏.‏ وذلك لأنّ العمد هو القصد وهو أمر باطن لا يوقف عليه إلاّ بدليله من استعمال آلة معدّة للقتل، فلا قود في القتل بالخنق، لأنّه لم يقصد ضربه بآلة جارحة معدّة للقتل‏.‏

هذا إذا لم يتكرّر القتل بالخنق، أمّا إذا اعتاد الخنق وتكرّر منه ولو مرّتين قتل به بلا خلاف، إلاّ أنّ أبا حنيفة قال‏:‏ من خنق أكثر من مرّة قتل سياسةً لسعيه في الأرض بالفساد‏.‏

4 - هذا، وإذا حكم في الخنق بالقصاص فالحنفيّة والحنابلة في إحدى الرّوايتين على أنّ الجاني ‏"‏ الخانق ‏"‏ لا يقتصّ منه إلاّ بالسّيف، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا قود إلاّ بالسّيف» ولأنّ القصد من القود إتلاف جملته وقد أمكن بضرب عنقه فلا يجوز تعذيبه‏.‏ وذهب المالكيّة والشّافعيّة وهو إحدى الرّوايتين للحنابلة إلى أنّ القاتل يقتل بمثل ما قتل إلاّ في حالات خاصّة تذكر في مصطلح ‏(‏قصاص‏)‏، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ‏}‏ وعلى ذلك فيخنق الخانق حتّى يموت عند المالكيّة والشّافعيّة، إلاّ إذا اختار مستحقّ القود السّيف فيمكّن منه، لأنّه أخفّ من غيره غالباً، ولأنّه الأصل في القصاص‏.‏ وتفصيله في مصطلحي‏:‏ ‏(‏جناية، وقصاص‏)‏‏.‏

ثالثاً‏:‏ في الأيمان

5 - صرّح الحنفيّة والحنابلة بأنّ من حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو مدّ شعرها أو عضّها حنث، لأنّ الضّرب اسم لفعل مؤلم فيدخل فيه الخنق‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ ليس وضع السّوط عليه والعضّ، والخنق، أو نتف الشّعر ضرباً، لانتفاء تسميته بذلك عرفاً، فلا يحنث إن عضّها أو خنقها أو نتف شعرها‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ أيمان‏)‏‏.‏

مواطن البحث

ذكر الفقهاء حكم الخنق في مباحث الصّيد والذّبائح، وفي الجنايات والقصاص وشبه العمد، وفي باب اليمين‏.‏

خوارج

انظر‏:‏ فرق‏.‏

خوف

انظر‏:‏ صلاة الخوف‏.‏

خيار

التّعريف

1 - الخيار في اللّغة اسم مصدر من الاختيار وهو الاصطفاء والانتقاء،والفعل منهما اختار‏.‏ وقول القائل‏:‏ أنت بالخيار، معناه‏:‏ اختر ما شئت‏.‏

وخيّره بين الشّيئين معناه‏:‏ فوّض إليه اختيار أحدهما‏.‏

والخيار في الاصطلاح له تعاريف كثيرة إلاّ أنّها في الغالب تناولت هذا اللّفظ مقروناً بلفظ آخر لأنواع الخيارات دون أن يقصد بالتّعريف ‏"‏ الخيار ‏"‏ عموماً، على أنّه يمكن استخلاص تعريف للخيار من حيث هو من خلال تعاريف أنواع الخيار بأن يقال‏:‏ هو حقّ العاقد في فسخ العقد أو إمضائه، لظهور مسوّغ شرعيّ أو بمقتضى اتّفاق عقديّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - عدم اللّزوم‏:‏

2 - اللّزوم‏:‏ معناه عدم إمكان رجوع العاقد عن العقد بإرادته المنفردة، ويسمّى العقد الّذي هذا شأنه العقد اللّازم بمعنى أنّ العاقد لا يحقّ له فسخ العقد إلاّ برضا العاقد الآخر، فكما لا يعقد العقد إلاّ بالتّراضي لا يفسخ إلاّ بالتّراضي ‏"‏ وذلك بالإقالة ‏"‏ ومن هذا يتّضح تعريف عدم اللّزوم فهو‏:‏ إمكان رجوع العاقد عن العقد ونقضه بإرادته المنفردة دون الحاجة إلى التّراضي على ذلك النّقض‏.‏

فهذا اللّزوم قد يتخلّف في بعض العقود فيستطيع كلّ من الطّرفين أو أحدهما أن يتحلّل من رابطة العقد ويفسخه بمجرّد إرادته دون توقّف على رضا الآخر‏.‏

وتخلّف اللّزوم هنا مبعثه أنّ طبيعة العقد وغايته تقتضي عدم اللّزوم، والعقد عندئذ ‏"‏ عقد غير لازم ‏"‏ إذ يكون عدم اللّزوم صفةً ملحوظةً في نوع العقد‏.‏

ومن السّهل تبيّن الفرق بين التّخيير وبين طبيعة عدم اللّزوم في العقود غير اللّازمة، فالتّخيير حالة طارئة على العقد حيث إنّ الأصل في العقد اللّزوم، فالعقد المقترن بخيار هو قيد أو استثناء على ذلك المبدأ، ثمّ هو في جميع الخيارات ليس ممّا تقتضيه طبيعة العقود، بل هو ممّا اعتبر قيدًا على تلك الطّبيعة لأصالة اللّزوم‏.‏

أمّا في العقود غير اللّازمة بأنواعها فإنّه جزء من طبيعتها تقتضيه غاياتها ولا ينفصل عنها إلاّ لسبب خاصّ فيما لزومه ليس أصلاً‏.‏

والعقود اللّازمة تحتمل الفسخ فقط أمّا الإجازة فلا مجال لها، لأنّ الإقدام على العقد والاستمرار فيه يغني عنها، في حين أنّ الخيارات تحتمل الأمرين‏.‏

وهناك فارق آخر بين العقود غير اللّازمة وبين الخيارات يقوم على ملاحظة نتيجة ‏"‏ الفسخ ‏"‏ الّذي هو أمر مشترك، فحكم الفسخ في العقود غير اللّازمة مختلف عنه في الخيارات، حيث يكون في الصّورة الأولى مقتصرًا ‏"‏ ليس له تأثير رجعيّ ‏"‏ لا يمسّ التّصرّفات السّابقة‏.‏

أمّا في الصّورة الثّانية ‏"‏ الخيارات ‏"‏ فالفسخ مستند ‏"‏ له انعطاف وتأثير رجعيّ ‏"‏ ينسحب فيه الانفساخ على الماضي فيجعل العقد كأنّه لم ينعقد من أصله‏.‏

ب - الفسخ للفساد‏:‏

3 - العقد الفاسد يشبه الخيار في فكرة عدم اللّزوم وفي احتماله الفسخ، يقول الكاسانيّ‏:‏ ‏"‏ حكم البيع نوعان، نوع يرتفع بالفسخ، وهو الّذي يقوم برفعه أحد العاقدين، وهو حكم كلّ بيع لازم كالبيع الّذي فيه أحد الخيارات الأربعة والبيع الفاسد ‏"‏ كما أنّه يتأخّر أثره فلا يثبت إلاّ بالقبض، لكنّه مفترق عن حالة التّخيير فكلّ منهما من نوع خاصّ من أنواع العقد، فالفاسد من باب الصّحّة، أمّا التّخيير فهو من باب اللّزوم، ثمّ لهذا أثره في افتراق الأحكام، من ذلك أنّ الخيار ‏"‏ عدا خيار الرّؤية ‏"‏ يسقط بصريح الإسقاط، أمّا حقّ الفسخ في البيع الفاسد فلا يبطل بصريح الإبطال والإسقاط‏.‏

وهناك بعض العبارات الفقهيّة توضِّح التّفرقة بين الخيار والفسخ منها تصريح بعض المالكيّة بأنّ الخيار يتعلّق به حقّ لأحد معيّن‏.‏وكأنّه يشير إلى أنّ الفسخ للفساد يتعلّق به حقّ الشّرع‏.‏

ج - الفسخ للتّوقّف‏:‏

4 - التّفرقة بين التّخيير والتّوقّف تكون في المنشأ والأحكام والانتهاء‏.‏

فالخيار ينشأ لتعيّب الإرادة ‏"‏ وذلك في الخيار الحكميّ غالباً ‏"‏ أو لاتّجاه إرادة المتعاقدين لمنع لزوم العقد ‏"‏ وذلك في الخيارات الإراديّة ‏"‏ وكلاهما مرحلة بعد انعقاد العقد وصلوحه لسريان آثاره ‏"‏ النّفاذ ‏"‏‏.‏ أمّا الموقوف فهو ينشأ لنقص الأهليّة في العاقد، أو لتعلّق حقّ الغير‏.‏ فلكلّ منهما مجال مغاير للآخر، ليس مغايرة اختلاف في السّبب فقط، بل مع التّداعي والتّجانس بين أسباب كلّ منهما ومنافرتها ما للآخر‏.‏

أمّا من حيث الطّبيعة والأحكام فإنّ العقد الموقوف تكون آثاره معلّقةً بسبب المانع الشّرعيّ من نفاذها، وهذا بالرّغم من انعقاده وصحّته لأنّ ذلك المانع منع تمام العلّة‏.‏

أمّا الخيار فإنّ حكم العقد قد نفذ وترتّبت آثاره ولكن امتنع ثبوتها بسبب الخيار، فأحياناً يمتنع ابتداء الحكم بعد انعقاد العلّة، وذلك في خيار الشّرط، وأحيانًا يمتنع تمام الحكم بعد ثبوته، كخيار الرّؤية، وأحيانًا يمتنع لزوم العقد بعد أن سرت آثاره، كخيار العيب‏.‏

وفي الانقضاء نجد أنّ الموقوف لمّا كان غير تامّ العلّة لم تتمّ الصّفقة، فيكفي في نقضه محض إرادة من له النّقض، وهو لهذا الضّعف فيه لا يرد فيه إسقاط الخيار، ولا ينتقل بالميراث، بل يبطل العقد بموت من له حقّ إجازته، في حين يجوز إسقاط الخيار - في الجملة - وينتقل بالميراث وخاصّةً ما كان منه متّصلاً بالعين على اختلاف في المذاهب، وينقضي الخيار بإرادة من هو له دون حاجة إلى التّراضي أو التّقاضي إلاّ حيث تتمّ الصّفقة بحصول القبض في خيار العيب‏.‏

د - الفسخ في الإقالة‏:‏

5 - تشبه الإقالة الخيار من حيث تأديتهما - في حال ما - إلى فسخ العقد، وتشبهه أيضاً من جهة أنّهما لا يدخلان إلاّ عقود المعاوضات الماليّة اللّازمة القابلة للفسخ‏.‏

ولكنّ الإقالة تخالف الخيار في أنّ من له الخيار يمكنه فسخ العقد بمحض إرادته دون توقّف على رضا صاحبه، بخلاف الإقالة فلا بدّ من التقاء الإرادتين على فسخ العقد‏.‏

كما أنّ هناك فرقاً آخر هو أنّ الخيار يجعل العقد غير لازم في حقّ من هو له‏.‏

وأمّا الإقالة فلا تكون إلاّ حيث يكون العقد لازماً للطّرفين‏.‏

تقسيمات الخيار

أوّلاً‏:‏ التّقسيم بحسب طبيعة الخيار

6 - ينقسم الخيار بحسب طبيعته إلى حكميّ وإراديّ‏.‏

فالحكميّ ما ثبت بمجرّد حكم الشّارع فينشأ الخيار عند وجود السّبب الشّرعيّ وتحقّق الشّرائط المطلوبة، فهذه الخيارات لا تتوقّف على اتّفاق أو اشتراط لقيامها، بل تنشأ لمجرّد وقوع سببها الّذي ربط قيامها به‏.‏ ومثاله‏:‏ خيار العيب‏.‏

أمّا الإراديّ فهو الّذي ينشأ عن إرادة العاقد‏.‏

والخيارات الحكميّة تستغرق معظم الخيارات، بل هي كلّها ما عدا الخيارات الإراديّة الثّلاثة‏:‏ خيار الشّرط، خيار النّقد، خيار التّعيين‏.‏ فما وراء هذه الخيارات فإنّه حكميّ المنشأ أثبته الشّارع رعايةً لمصلحة العاقد المحتاج إليه دون أن يسعى الإنسان للحصول عليه‏.‏

ثانياً‏:‏ التّقسيم بحسب غاية الخيار

7 - يقوم هذا التّقسيم للخيارات على النّظر إليها من حيث الغاية، هل هي التّروّي وجلب المصلحة للعاقد، أو تكملة النّقص ودرء الضّرر عنه‏؟‏‏.‏

يقول الغزاليّ‏:‏ ينقسم الخيار إلى خيار التّروّي‏.‏ وإلى خيار النّقيصة‏.‏ وخيار التّروّي‏:‏ ما لا يتوقّف على فوات وصف، وله سببان‏.‏ أحدهما‏:‏ المجلس‏.‏ والثّاني‏:‏ الشّرط‏.‏

وأمّا خيار النّقيصة، وهو‏:‏ ما يثبت بفوات أمر مظنون نشأ الظّنّ فيه من التزام شرعيّ، أو قضاء عرفيّ، أو تغرير فعليّ‏.‏ ثمّ فرّع الغزاليّ من خيار النّقيصة عدّة خيارات‏.‏

ونحوه للمالكيّة فقد جرى خليل على البدء بخيار التّروّي ثمّ أتبعه بخيار النّقيصة‏.‏

ثالثاً‏:‏ التّقسيم بحسب موضوع الخيار

8 - أ ولاً - خيارات التّروّي‏.‏

أ - خيار المجلس‏.‏

ب - خيار الرّجوع‏.‏

ج - خيار القبول‏.‏

د - خيار الشّرط‏.‏

9- ثانياً - خيارات النّقيصة‏:‏

أ - خيار العيب‏.‏

ب - خيار الاستحقاق‏.‏

ج - خيار تفرّق الصّفقة‏.‏

د - خيار الهلاك الجزئيّ‏.‏

10 - ثالثاً - خيارات الجهالة‏:‏

أ - خيار الرّؤية‏:‏

ب - خيار الكمّيّة‏.‏

ج - خيار كشف الحال‏.‏

د - خيار التّعيين‏.‏

11 - رابعاً - خيارات التّغرير‏:‏

أ - خيار التّدليس الفعليّ ‏(‏بالتّصرية ونحوها‏)‏ والتّغرير القوليّ‏.‏

ب - خيار النّجش‏.‏

ج - خيار تلقّي الرّكبان‏.‏

12 - خامساً - خيارات الغبن‏:‏

أ - خيار المسترسل‏.‏

ب - خيار غبن القاصر وشبهه‏.‏

13 - سادساً - خيارات الأمانة‏:‏

أ - خيار المرابحة‏.‏

ب - خيار التّولية‏.‏

ج - خيار التّشريك‏.‏

د - خيار المواضعة‏.‏

14 - سابعاً - خيارات الخلف‏:‏

أ - خيار فوات الوصف المرغوب‏.‏

ب - خيار فوات الشّرط‏.‏

ج - خيار اختلاف المقدار‏.‏

15 - ثامناً - خيارات اختلال التّنفيذ‏:‏

أ - خيار التّأخير‏.‏

16 - تاسعاً - خيارات امتناع التّسليم‏:‏

أ - خيار النّقد‏.‏

ب - خيار تعذّر التّسليم‏.‏

ج - خيار تسارع الفساد‏.‏

د - خيار التّفليس‏.‏

حكمة تشريع الخيار

17 - الغرض في الخيارات الحكميّة‏:‏ بالرّغم من تعدّد أسبابها هو تلافي النّقص الحاصل بعد تخلّف شريطة لزوم العقد‏.‏ وذلك بعد أن تحقّقت شرائط الانعقاد والصّحّة والنّفاذ، أي أنّ الخيارات الحكميّة لتخفيف مغبّة الإخلال بالعقد في البداية لعدم المعلوميّة التّامّة، أو لدخول اللّبس والغبن ونحوه ممّا يؤدّي إلى الإضرار بالعاقد، أو في النّهاية كاختلال التّنفيذ‏.‏

فالغاية من الخيارات الحكميّة تمحيص الإرادتين وتنقية عنصر التّراضي من الشّوائب توصّلاً إلى دفع الضّرر عن العاقد‏.‏ ومن هنا قسّم الفقهاء الخيارات إلى شطرين‏:‏ خيارات التّروّي، وخيارات النّقيصة، ومرادهم بخيارات النّقيصة الخيارات الّتي تهدف لدفع الضّرر عن العاقد في حين تهدف خيارات التّروّي إلى جلب النّفع له‏.‏

أمّا الغرض من الخيارات الإراديّة فإنّه يختلف عن الغرض من الخيار في صعيد الخيارات الحكميّة‏.‏ ففي الخيارات الإراديّة يكاد الباعث عليها يكون أمراً واحداً هو ما دعاه الفقهاء بالتّروّي، أي التّأمّل في صلوح الشّيء له وسدّ حاجته في الشّراء، وذلك للتّرفيه عن المتعاقد لتحصيل مصلحة يحرص عليها‏.‏ والتّروّي سبيله أمران‏:‏ ‏(‏المشورة‏)‏ للوصول إلى الرّأي الحميد، أو الاختبار وهو تبيّن خبر الشّيء بالتّجربة أو الاطّلاع التّامّ على كنهه، قال ابن رشد‏:‏ ‏"‏ والخيار يكون لوجهين‏:‏ لمشورة واختبار المبيع، أو لأحد الوجهين‏.‏ ويقول بعدئذ‏:‏ العلّة في إجازة البيع على الخيار وحاجة النّاس إلى المشورة فيه، أو الاختيار ‏"‏‏.‏ على أنّ تعدّد الغرض ممكن بأن يقصد المشورة والاختبار معاً ‏"‏ وهذا كلّه في المشتري، أمّا البائع فلا يتصوّر في حقّه إلاّ كون الغرض المشورة، لأنّ المبادلة منه تهدف إلى الثّمن، والثّمن لا مجال لاختباره غالباً، إنّما يتصوّر أن يراجع البائع من يثق به في كون الثّمن متكافئاً مع المبيع فلا غبن ولا وكس‏.‏

والتّروّي - كما يقول الحطّاب - لا يختصّ بالمبيع فقد يكون أيضاً في الثّمن، أو في أصل العقد‏.‏ وثمرة ذلك عند المالكيّة أنّه يجبر البائع على تسليم المبيع إذا كان الغرض من الخيار الاختبار، فإذا بيّن الغرض من الخيار عومل حسب بيانه، أمّا إن سكت عن البيان، فقد قرّر ابن رشد أنّ سكوته عن ذكر الغرض يحمل على أنّ غرضه المشورة فهي مفترضة دائماً، إلاّ إذا صرّح بأنّ غرضه الاختبار واشترط قبض السّلعة‏.‏

ونصّ كلام ابن رشد في هذا‏:‏ ‏"‏ اشترط المشتري الخيار‏.‏ ولم يبيّن أنّه إنّما يشترط الخيار للاختبار، وأراد قبض السّلعة ليختبرها، وأبى البائع من دفعها إليه وقال‏:‏ إنّما لك المشورة إذا لم تشترط قبض السّلعة في أمد الخيار للاختبار، فالقول قول البائع، ولا يلزمه دفعها إليه إلاّ أن يشترط ذلك عليه ‏"‏‏.‏ بل ذكر أنّه ليست من القرينة الحاليّة في المشتري طول مدّة الخيار إذ يحتمل أنّه فسخ في الأجل للمشورة الدّقيقة‏.‏

وهناك ثمرة عمليّة أخرى لتحديد الغرض من الخيار ‏"‏ دون تفرقة بين اقتصاره على المشورة أو الاختبار، أو الجمع بينهما ‏"‏ تلك هي أنّ أمد الخيار - وهو عن المالكيّة ملحوظ فيه العرف والعادة - شديد الارتباط بالغرض من الخيار فإذا كانت العلّة في إجازة المبيع على الخيار حاجة النّاس إلى المشورة فيه، أو الاختبار، فحدّه قدر ما يختبر فيه المبيع، ويرتأى فيه ويستشار، على اختلاف أجناسه وإسراع التّغيّر إليه وإبطائه عنه‏.‏‏.‏ فأمد الخيار في البيع إنّما هو بقدر ما يحتاج إليه في الاختبار والارتياء مع مراعاة إسراع التّغيّر إلى المبيع وإبطائه عنه خلافاً للشّافعيّ وأبي حنيفة رحمهما الله في قولهما‏:‏ أنّه لا يجوز الخيار في شيء من الأشياء فوق ثلاث‏.‏

الخيار سالب للّزوم

18 - إنّ سلب الخيارات لزوم العقد من بدائه الفقه، حتّى أنّ بعض الفقهاء المصنّفين الّذين قسّموا العقد إلى لازم وجائز عبّروا عن ذلك بقولهم‏:‏ لازم، ومخيّر، أو لازم وفيه خيار‏.‏ ومفاد سلب الخيار لزوم العقد أن يجعل العقد المشتمل على خيار مستوياً في الصّفة مع العقود غير اللّازمة كالعاريّة الوديعة ومع هذا لا يعسر التّمييز بينهما، لأنّ عدم اللّزوم في تلك العقود ناشئ عن طبيعتها الخاصّة، أمّا في الخيارات فعدم اللّزوم طارئ بسببها‏.‏

وهناك عبارات فقهيّة تدلّ على التّفاوت في منزلة الخيارات من حيث سلب اللّزوم نظراً إلى أثر الخيار على علّة الحكم، والمراد بالعلّة هنا العقد الّذي لا يتخلّف عنه الحكم في الأصل، كالبيع هو علّة لحكمه من لزوم تعاكس الملكين في البدلين، وفي البيع بخيار قد تخلّف عن العلّة ‏"‏ أي البيع ‏"‏ مقتضاها الّذي هو حكم البيع‏.‏

وبما أنّ الموانع متفاوتة في قوّة المنع، فمنها ما يمنع انعقاد العلّة من البداية فلا يدعها تمضي لإحداث الأثر، ومنها ما يمنع تمام العلّة، أي نفاذ العقد، بتخلّف إحدى شريطتي النّفاذ ‏"‏ الملك أو الولاية، وانتفاء تعلّق حقّ الغير في المعقود عليه ‏"‏ ثمّ يأتي دور الخيارات في المنع وهو منع مسلّط على ‏"‏ الحكم لا العلّة ‏"‏ فهي قد كتب لها الانعقاد والنّفاذ كسهم توفّرت وسائل تسديده ثمّ انطلق دون أن يحجزه شيء عن بلوغ الهدف ‏"‏ فخيار الشّرط يمنع ابتداء الحكم بعد انعقاد ونفاذ العلّة ‏"‏ إذ يمتنع ثبوت حكم البيع وهو خروج المبيع عن ملك البائع، وشبّهه ابن الهمام باستتار المرميّ إليه بترس يمنع من إصابة الغرض منه‏.‏

ويليه في قوّة المنع خيار الرّؤية، لأنّه يمنع تمام الحكم بعد ثبوته ‏"‏ وهو غير تمام العلّة ‏"‏ وأخيراً خيار العيب يمنع لزوم الحكم‏.‏

وفضلاً عن التّفاوت في أثر الخيار على العقد اللّازم لسلب لزومه يلحظ فارق، في نظر الحنفيّة، بين خيار العيب وبين خياري الرّؤية والشّرط في وضعهما الشّرعيّ من حيث سلب اللّزوم بين أن يتّصف بالأصالة أو الخلفيّة، لهذا الفرق في الحكم باعتبار الفسخ في حقّ الكلّ أو في حقّ المتعاقدين فحسب‏.‏

فخيار الرّؤية والشّرط، لمّا أنّ حقّ الفسخ فيهما ‏"‏ ثبت أصلاً لأنّهما يسلبان اللّزوم في أصل العقد، فكان بالفسخ مستوفياً حقّاً له، وولاية استيفاء الحقّ تثبت على سبيل العموم ولذا لا يتوقّف على القضاء ‏"‏ أمّا خيار العيب فإنّه يفرّق فيه بين القبض، وعدمه لما أنّ ‏"‏ حقّ الفسخ بالعيب ما ثبت ‏"‏ باعتباره ‏"‏ أصلاً‏.‏

لأنّ الصّفقة تمّت بالقبض بل ‏"‏ ثبت ‏"‏ بغيره، وهو استدراك حقّه في صفة السّلامة ‏"‏‏.‏

خيار اختلاف المقدار

انظر‏:‏ بيع‏.‏

خيار الاستحقاق

انظر‏:‏ استحقاق‏.‏

خيار التّأخير

انظر‏:‏ خيار النّقد، بيع‏.‏

خيار تسارع الفساد

انظر‏:‏ خيار الشّرط‏.‏

خيار التّشريك

انظر‏:‏ بيع الأمانة‏.‏

خيار التّصرية

انظر‏:‏ تصرية‏.‏

خيار تعذّر التّسليم

انظر‏:‏ بيع فاسد، بيع موقوف‏.‏

خيار التّعيين

التّعريف

1 - سبق في مصطلح ‏"‏ خيار ‏"‏ تعريف الخيار، وأمّا التّعيين‏:‏ فهو مصدر قياسيّ للفعل المزيد ‏"‏ عيّن ‏"‏ يقال‏:‏ عيّنت الشّيء، وعيّنت عليه، واستعمالهما واحد، فمن الأوّل - وهو الأليق بهذا الموضوع - ما جاء في المعاجم من أنّ تعيين الشّيء معناه تخصيصه من الجملة، كما قال الجوهريّ‏.‏ ومن الثّاني‏:‏ عيّنت على السّارق‏:‏ خصصته من بين المتّهمين، مأخوذ من ‏"‏ عين ‏"‏ الشّيء، أي نفسه وذاته‏.‏

أمّا في الاصطلاح فقد عرّف الحنفيّة البيع الّذي فيه خيار التّعيين بأنّه‏:‏ شراء أحد الشّيئين أو الثّلاثة على أن يعيّن أيّاً شاء‏.‏ أمّا تعريف الخيار فيمكن استخلاص التّعريف التّالي له وهو‏:‏ أنّه ‏"‏حقّ العاقد في تعيين أحد الأشياء الّتي وقع العقد على أحدها شائعاً، خلال مدّة معيّنة ‏"‏‏.‏ وصورته‏:‏ أن يقول البائع للمشتري‏:‏ بعتك أحد هذه الأثواب الثّلاثة ولك الخيار في أيّها شئت ونحو ذلك من العبارات، سواء وقع التّصريح به من البائع أو المشتري‏.‏

تسميته

2 - يسمّى ‏"‏ خيار التّعيين ‏"‏ باسم آخر هو ‏"‏ خيار التّمييز ‏"‏ وقد أطلقه عليه الطّحاويّ في مناسبة مقارنته بخيار الشّرط قائلاً عنه‏:‏ وخيار التّمييز غير مؤقّت‏.‏

وكثير من المصنّفين يعبّر عنه بالتّعبير المسهب دون تسميته‏.‏

ويسمّي المالكيّة العقد المشتمل عليه‏:‏ بيع الاختيار‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

خيار الشّرط‏:‏

3 - هناك صورة من خيار الشّرط يتوهّم أنّها من صور خيار التّعيين، مع أنّها ليست منه في شيء، وهي ما إذا باعه ثلاثة أثواب على أنّ له خيار الشّرط في واحد منها لا في الجميع، فهذه المسألة عبارة عن خيار شرط في أحد أفراد المبيع، يتّضح ذلك من كون المقصود بالبيع في خيار التّعيين واحداً، وهنا البيع منصبّ على الثّلاثة، ولكن في المعقود عليه المتعدّد خيار لم يعيّن محلّه، وهي من الصّور الفاسدة‏.‏

وهذه صورة أخرى من الاختيار لا الخيار، ما لو أسلم على أكثر من أربع زوجات وأسلمن معه فعليه اختيار أربعة فقط‏.‏

وقد ذكروا أنّه لو مات قبل الاختيار فإنّ ‏"‏ الخيار ‏"‏ لا ينتقل إلى الوارث‏.‏ وهو كما يبدو ليس خياراً بين الفسخ والإمضاء، وإنّما هو قيام المكلّف بالاختيار في غير معيّن، فهو يشبه خيار التّعيين لكنّه ثبت حكماً لا بالشّرط، كما أنّ الواقعة المولّدة للخيار غير عقديّة‏.‏

خيار التّعيين في الثّمن‏:‏

4 - أكثر ما يذكر له خيار التّعيين ما يكون في المبيع،ولكن هناك خيار يتّصل بتعيين الثّمن، لا يكتفى بذكر الخيار فيه، وهو ما إذا باع شيئاً إلى أجلين، أو باعه إلى أجل أو حالّاً، بثمنين مختلفين، وترك له أن يختار‏.‏

فهنا ذكر ثمنين مختلفين وترك له الخيار في أحدهما مع ما ينشأ عنه من حلول أو تأجيل‏.‏ وهذه الصّورة من التّعاقد مشهورة في المذاهب وهي ممنوعة إذا لم يفترقا على التّعيين في المجلس‏.‏ وينظر مصطلح ‏(‏بيعتين في بيعة‏)‏‏.‏

الحكم التّكليفيّ

5 - ذهب إلى القول بمشروعيّة هذا الخيار كلّ من الحنفيّة والمالكيّة وبعض الحنابلة، أمّا الحنفيّة فقد سبق شيء من اهتمامهم به، وقد عقدوا له فصلاً من باب خيار الشّرط، وأمّا المالكيّة فقد ذهبوا إلى ثبوت العقد على أحد أشياء لا بعينه، وتعريفه وصورته أنّه‏:‏ ‏"‏ بيع جعل فيه البائع للمشتري التّعيين لما اشتراه، كأبيعك أحد هذين الثّوبين على البتّ بدينار وجعلت لك يوماً أو يومين تختار فيه واحدًا منهما ‏"‏ ولكنّهم صرّحوا بأنّ هذا العقد لا صلة له بالخيار بين الأخذ والرّدّ‏.‏

وصرّحوا أيضاً بأنّ العقد فيه لازم وسمّوه ‏"‏ بيع الاختيار ‏"‏ تمييزاً له عن البيع بخيار الشّرط الّذي يسمّى أحيانا ‏"‏ بيع الخيار ‏"‏ وجعلوا بينهما تقابلاً، لأنّه ليس هناك خيار في العقد ‏"‏ أحدها لازم له، وإنّما الخيار في التّعيين ولا يردّ إلاّ أحدهما ‏"‏‏.‏

وأشار المالكيّة إلى أنّ ‏"‏ الاختيار ‏"‏ قد يجامع الخيار وقد ينفرد عنه فيكون هناك بيع خيار فقط ‏"‏ وهو خيار الشّرط المعروف ‏"‏، وبيع اختيار فقط ‏"‏ وهو المسمّى خيار التّعيين ‏"‏ وبيع خيار واختيار وهو ‏"‏ بيع جعل فيه البائع للمشتري الاختيار في التّعيين، وبعده هو فيما يعيّنه بالخيار في الأخذ والرّدّ ‏"‏‏.‏

والظّاهر أنّ المالكيّة انتبهوا إلى استبعاد اختيار التّعيين من صعيد ‏"‏ الخيار ط لاشتراطهم توقيته، في حين فصّل الحنفيّة بأن جعلوا اشتراط التّوقيت قاصراً على حال تجرّد خيار التّعيين من خيار الشّرط‏.‏ يضاف لذلك أنّه ورد في كتبهم الأولى - غالباً - ملابساً لخيار الشّرط مقترنًا به، لذا لم تحفل عباراتهم بالاحتراز منه‏.‏

وذكر ابن مفلح أنّه قال به أبو الوفاء بن عقيل من فقهاء الحنابلة وذكره في كتاب المفردات - وقوله مخالف لجمهورهم - وهو ظاهر كلام الشّريف وأبي الخطّاب، ومثّلوا له بنحو، بيع شاة مبهمة في شياه إن تساوت القيمة‏.‏

هؤلاء مثبتوه، وأمّا نفاته فهم الشّافعيّة - إلاّ في قول قديم حكاه المتولّي أنّه يصحّ - في مثل الصّورة السّابقة لدى أبي حنيفة -‏.‏ قال النّوويّ‏:‏ وهذا شاذّ مردود - والشّافعيّة حين منعوه جعلوه من مسائل جهالة عين المبيع، ونصّوا على بطلانه، سواء وقع العقد على واحد من متعدّد، أو وقع على الكلّ إلاّ واحداً، ومذهب جمهور الحنابلة كذلك، مع تنصيصهم على أنّه باطل ولو تساوت قيمة الأشياء المختار منها وفي ذلك نزاع ‏"‏ صلته بكفاية تعيين المبيع ولا صلة له بخيار التّعيين ‏"‏‏.‏

واستدلّ الحنابلة أيضاً لمنعه بأنّه من باب البيع والثّنيا، وقد «نهى صلى الله عليه وسلم عن الثّنيا إلاّ أن تعلم»‏.‏ ولأنّ ذلك غرر ويفضي إلى التّنازع‏.‏

دليل مشروعيّة خيار التّعيين

6 - احتجّ الحنفيّة لمشروعيّته بالقياس على خيار الشّرط لأنّه في معنى ما ورد فيه الشّرع، وهو خيار الشّرط فجاز إلحاقًا به، لأنّ خيار الشّرط شرع للحاجة إلى دفع الغبن، والحاجة إلى هذا النّوع من البيع متحقّقة، فكان باعتبار الحاجة في معنى ما ورد به الشّرع، وبالرّغم من قياسه على خيار الشّرط فقد ذكروا أنّه ثبت استحساناً على خلاف القياس، والمقصود مبدأ القياس عموماً، أمّا دليله فهو القياس على خيار الشّرط، لأنّ خيار الشّرط نفسه ثبت على خلاف القياس الّذي هو اللّزوم‏.‏

وذكر الحنفيّة أنّ ما فيه من جهالة لا تفضي إلى المنازعة لاستقلال المشتري بالتّعيين فلم يبق له منازع فيما يختار‏.‏

شرائط قيام خيار التّعيين

أ - ذكر شرط التّعيين في صلب العقد‏:‏

7 - لا بدّ من ذكر شرط التّعيين في الإيجاب والقبول بنحو عبارة‏:‏ على أنّك بالخيار في أيّهما شئت، أو على أن تأخذ أيّها شئت، ليكون نصّاً في خيار التّعيين وإلاّ كان العقد فاسداً للجهالة، ولا يشترط ذكر ‏"‏ الخيار ‏"‏ بل يكفي ما يؤدّي معناه بأيّ لفظ كان كقوله‏:‏ على أن تحتفظ بأحدها وتعيد الباقي‏.‏

ب - أن يكون محلّ الخيار من القيميّات‏:‏

8 - القيميّ هنا ما ليس له نظير، أو ما لا يوجد له مثل في الأسواق، أو يوجد لكن مع التّفاوت المعتدّ به في القيمة، أمّا المثليّات المختلفة الجنس فقد ألحقت بالقيميّ، وأمّا المثليّ المتّفق الجنس فلا يصحّ‏.‏ لأنّ الحاجة ‏"‏ الّتي شرع لأجلها ‏"‏ هي في التّفاوت‏.‏

بخلاف المثليّات فإنّ اشتراطه فيها لا فائدة فيه، ومن قبيل العبث، فيجب أن تكون متفاوتةً فيما بينها‏.‏

وقال الحنفيّة‏:‏ سواء كان الثّمن متّفقاً أو مختلفاً، في حين اشترط المالكيّة وبعض الحنابلة من القائلين به تساوي تلك الأشياء في القيمة‏.‏

ج - أن تكون مدّة الخيار معلومةً‏:‏

9 - هذا على ما اعتمده الحنفيّة، وذكر الزّيلعيّ أنّه لا يشترط لعدم الجدوى‏.‏

وعند أبي حنيفة لا يجوز زيادتها عن ثلاثة أيّام، وأطلق الصّاحبان المدّة على أن تكون معلومةً، ورجّحه الزّيلعيّ وغيره‏.‏ وقد فرّق البابرتيّ والزّيلعيّ بين الأخذ برأي من استلزم لخيار التّعيين خيار الشّرط، فلا بأس على هذا من عدم توقيته لإغناء مدّة الخيار عنه، وأمّا على القول بجواز أن يعرى عن خيار الشّرط فلا بدّ من التّوقيت‏.‏

د - عدم زيادة الأفراد المختار بينهما على ثلاثة‏:‏

10 - فلا يجوز - على هذه الشّريطة - أن يكون هذا الخيار في أكثر من ثلاثة أشياء، لاندفاع الحاجة بذلك، لاشتمال الثّلاثة على الجيّد والوسط والرّديء‏.‏

‏"‏ ويجوز أن يكون الخيار في واحد من اثنين بطريق الأولى ‏"‏ قالوا‏:‏ والزّائد يقع مكرّراً غير محتاج إليه، وقد شرع للحاجة‏.‏

هـ - العدد المختار من العاقد‏:‏

11 - هل يشترط أن لا يزيد العدد المختار من العاقد على واحد أي ما يقع عليه اختياره أم له اختيار اثنين‏"‏ مثلاً ‏"‏‏؟‏ لم نر للحنفيّة فيه نصّاً، لكنّ الصّور الّتي ذكروها قائمة على اختيار واحد، وقد نصّ المالكيّة على أنّه ليس له أن يتمسّك إلاّ بواحد على ما قال الحطّاب‏.‏

و - اقترانه بخيار الشّرط‏:‏

12 - هذا الخيار وثيق الصّلة بخيار الشّرط، بل هو متفرّع عنه من حيث مشروعيّته ومعظم أحكامه، كالمدّة والسّقوط، ولذا يذكره الفقهاء في أثناء باب خيار الشّرط‏.‏

وبالرّغم من هذا هو خيار مستقلّ، وسبب ارتباطه بخيار الشّرط إمّا غلبة اشتراطه معه ليكون العقد في أصله غير لازم بحيث يكون للمشتري ردّ الجميع، وإمّا على القول باشتراط اقترانه بخيار الشّرط‏.‏ وهو المذكور في الجامع الصّغير لمحمّد‏.‏

وهناك رأي آخر للحنفيّة بعد ترجيح اشتراطه، وهو الّذي ذكره محمّد في الجامع الكبير‏.‏

من يشترط له الخيار صاحب الخيار

13 - يمكن اشتراط هذا الخيار لأيّ من المتعاقدين‏.‏ فهو للمشتري إذا كان العقد على أنّه يأخذ أيًّا شاء من الأشياء المميّز بينها بالثّمن المبيّن له‏.‏ فصاحب الخيار هنا هو المشتري وإليه التّعيين، ويكون للبائع إذا ذكرا في العقد أنّ البائع هو الّذي يختار أحد الأشياء الّتي هي موضوع التّعيين، فالبائع هنا صاحب الخيار وهو الّذي يقوم بالتّعيين‏.‏

ولا عبرة بصدور الاشتراط من البائع أو المشتري مثلًا بل النّظر لصيغته، فلو قال المشتري‏:‏ اشتريت منك أحد هذين الثّوبين على أن تعطيني أيّهما شئت بالثّمن المعيّن له فالخيار هنا للبائع، وهو المستفيد بالرّغم من أنّ مشترط الخيار هو المشتري، فلا أثر لذلك، فحكمه كما لو صدر الاشتراط باتّفاق الطّرفين، بل هو في الحقيقة معتبر منهما، لضرورة اتّفاق الإرادتين عليه، فالعبرة إذن بالمشترط له الخيار لا في ذاكر الشّرط‏.‏

ولا يسوغ أن يشترط للبائع والمشتري في آن واحد، لأنّ ذلك يؤدّي إلى الجهالة الفاحشة الّتي تحدث التّنازع، وقد اغتفرت خفّة الجهالة بسبب استبداد المشتري بالخيار، أمّا لو كان الاختيار لهما فتختلف رغبتهما ويحدث التّنازع‏.‏

أثر خيار التّعيين على العقد

أثره في حكم العقد‏:‏

14 - ذكر ملاّ خسرو من الحنفيّة أنّ خيار التّعيين يمنع ابتداء حكم العقد، وهو انتقال الملك نظير خيار الشّرط، ولكنّ الشرنبلالي لم يسلّم له ذلك في الحاشية عليه، وعلّل تلك المخالفة بقوله‏:‏ أحد ما فيه التّعيين غير ممنوع الحكم، غايته أنّه مخيّر في بيان ذلك، بناءً على القول بأنّه لا يشترط في العقد خيار الشّرط، كما في الجامع الكبير وصحّحه فخر الإسلام‏.‏ وهذا واضح لأنّ خيار التّعيين لا أثر له على لزوم العقد ما دام عاريّاً عن خيار الشّرط، لأنّه حقّ اختيار، وليس تعليقاً لحكم العقد‏.‏ فخيار التّعيين يجعل ثبوت الملك بالعقد متعلّقاً بأحد الأشياء الّتي هي محلّ الخيار دون تخصيص بأحدها ولا مجاوزة إلى غيرها، ولذلك لو قبض الأشياء المختار منها كان أحدها مبيعاً مضموناً والباقي أمانةً في يده‏.‏

وذكر المالكيّة في شأن الإلزام بالاختيار والضّمان ما يلي‏:‏ إذا مضت مدّة الاختيار ولم يختر ‏"‏وكان له اختيار التّعيين مجرّداً عن خيار الشّرط ‏"‏ يلزمه النّصف من كلّ من الثّوبين ‏"‏ مثلاً ‏"‏، لأنّ ثوباً قد لزمه ولا يعلم ما هو منهما، فوجب أن يكون فيهما شريكاً‏.‏

ومثل ذلك ما إذا ادّعى ضياعهما أو ضياع أحدهما يلزمه النّصف من كلّ من الثّوبين سواء أكان الثّوبان آنئذ بيد البائع أو المشتري، وسواء أكان المبيع ممّا يغاب عليه أم لا، وسواء أقامت بيّنة على الضّياع أم لا، لأنّ البيع على اللّزوم وقد قبض الشّيئين على وجه الإلزام، أي إلزام أنّ له واحداً من الاثنين من حين القبض‏.‏

ولزوم النّصف من كلّ من الثّوبين إنّما هو بكلّ الثّمن الّذي وقع البيع به‏.‏

فالمالكيّة في حال مرور مدّة التّعيين والامتناع عنه لا يرون إجباره على التّعيين، بل يطبّقون مقتضى شرط التّعيين وإرادته تملّك نصف محلّ العقد أو ثلثه‏.‏

تبعة الهلاك في خيار التّعيين

15 - إذا هلك أحد الأشياء المخيّر بينها أو تعيّب لزم البيع فيه بثمنه، وتعيّن الآخر للأمانة ‏"‏حتّى إذا هلك الآخر بعد هلاك الأوّل أو تعيّب لا يلزم عليه من قيمته شيء ‏"‏ وهذا لأنّ العيب ممتنع الرّدّ لاعتبار التّعيّب اختياراً ضرورةً، ولو هلك أحدها قبل القبض لا يبطل البيع، والمشتري بالخيار إن شاء أخذ الباقي بثمنه وإن شاء ترك‏.‏

وإن هلك الكلّ قبل القبض بطل البيع‏.‏

ولو هلك الشّيئان معاً بعد القبض لزم المشتري نصف ثمن كلّ واحد منهما لشيوع البيع والأمانة، فليس أحدهما أولى بكونه المبيع من الآخر‏.‏

وتقدّم كلام المالكيّة في المسألة السّابقة‏.‏

توقيت خيار التّعيين

16 - يشترط في الأرجح توقيت هذا الخيار بمدّة معيّنة إن لم يتضمّن خيار الشّرط على القول بصحّة وروده بدونه، أمّا إن تضمّن خيار الشّرط فمدّة الخيار صالحة لهما، وفائدة التّوقيت أن يجبر من له الخيار على التّعيين بعد مضيّ المدّة دفعاً للضّرر عن الآخر إذا ماطل من له الخيار في التّعيين‏.‏ قال ابن قاضي سماونة‏:‏ ‏"‏ وخيار التّعيين لم يجز إلاّ مؤقّتاً بثلاثة أيّام، إلاّ أن يكون مع ذلك خيار الشّرط ‏"‏‏.‏

وقد سبق في الشّرائط بيان ما يتّصل بمعلوميّة المدّة، صلة هذا الخيار بخيار الشّرط‏.‏

سقوط خيار التّعيين

17 - تواردت أقوال الفقهاء على أنّ خيار التّعيين يسقط بما يسقط به خيار الشّرط‏.‏ وسيأتي بيان ما يسقط به خيار الشّرط في مصطلح‏:‏ ‏(‏خيار الشّرط‏)‏

انتقال خيار التّعيين

18 - خيار التّعيين ينتقل بالموت إلى وارث صاحب الخيار فيقوم مقامه في تعيين ما يختاره من محلّ الخيار، والعلّة في ذلك أنّ لمورّثه مالاً ثابتاً ضمن الأشياء الّتي هي محلّ الخيار فوجب على الوارث أن يعيّن ما يختاره ويردّ ما ليس له إلى مالكه‏.‏ ويكون أداء الثّمن من التّركة إن لم يكن قد أدّى حال الحياة، ذلك أنّه انتقل إليه ملك المورّث ولم يكن متميّزاً بل مختلطاً بملك غيره وهو البائع مثلاً، فثبت له الخيار لتعيين ملكه وإفرازه عن ملك غيره‏.‏

خيار تفرّق الصّفقة

التّعريف

1 - الصّفقة في اللّغة‏:‏ اسم المرّة من الصّفق وهو الضّرب باليد على يد أخرى أو على يد آخر عند البيع أو البيعة‏.‏ وكانت العرب إذا وجب البيع ضرب أحد المتبايعين يده على يد صاحبه، فمن هنا استعملت الصّفقة بمعنى عقد البيع نفسه، يقال‏:‏ بارك اللّه لك في صفقة يمينك، ومنه قول عمر رضي الله عنه‏:‏ البيع صفقة أو خيار، أي بيع باتّ أو بيع بخيار‏.‏ هذا عن الصّفقة، أمّا التّفريق فلا يحتاج إلى التّفسير اللّغويّ لأنّ معناه - أو معانيه - كلّها مستعملة مفهومة ويهمّنا منها المعنى النّاشئ عن إضافة لفظ ‏"‏ تفريق ‏"‏ إلى ‏"‏ الصّفقة ‏"‏ وهو متّحد مع المعنى الشّرعيّ لهذا المركّب الإضافيّ‏.‏

ومعنى تفريق الصّفقة في الاصطلاح أن لا يتناول حكم العقد جميع المعقود عليه، أو يتناوله ثمّ ينحسر عنه‏.‏ فتكون الصّفقة الواحدة المجتمعة قد تفرّقت أو تبعّضت أو تجزّأت وبكلّ هذه المترادفات يعبّر الفقهاء فيسمّونه ‏"‏ تفرّق الصّفقة ‏"‏ أو ‏"‏ تبعيضها ‏"‏ أو ‏"‏ تجزّؤها ‏"‏‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - تعدّد الصّفقة‏:‏

2 - التّفريق لا يتصوّر إلاّ في صفقة واحدة، وتمييز الصّفقة عن الصّفقتين يستبهم أحياناً

لا سيّما في حال الجمع بين سلعتين أو أكثر في عقد واحد، إذ ليس التّعويل على الصّورة الظّاهرة، بل على حقيقة التّعدّد بالاعتبار الشّرعيّ، وقد اعتنى الشّافعيّة ببيان ضابط اتّحاد الصّفقة أو تعدّدها‏.‏ فالصّفقة تتعدّد بتفصيل الثّمن على شيئين بيعا معاً، عند الإيجاب من المبتدئ بالعقد، ولا يشترط أن يتكرّر التّفصيل في القبول، على الأصحّ، وكذلك تتعدّد الصّفقة بتعدّد العاقد مطلقاً، بائعاً كان أو مشترياً، ومثال تعدّدها بتعدّد البائع قول اثنين لواحد‏:‏ بعناك هذا بكذا - والمبيع مشترك بينهما - فقبل المشتري فيهما، فهما صفقتان، وله ردّ نصيب أحدهما بالعيب مثلاً‏.‏ ومثال تعدّدها بتعدّد المشتري أن يقول لاثنين‏:‏ بعتكما هذا بكذا‏.‏ أو يقول اثنان لواحد‏:‏ اشترينا منك هذا بكذا‏.‏

فالتّفريق المستوجب خياراً هو ما يقع في صفقة واحدة أي في صفقة لم يتعدّد عاقدها من بائع أو مشتر، ولا فصّل فيها الثّمن على المعقود عليه المتعدّد‏.‏

ب - البيعتان في بيعة‏:‏

3 - المراد بالبيعتين في بيعة‏:‏ هو جمع بيعتين في عقد واحد، وتسمية ذلك العقد بيعتين باعتبار تعدّد الثّمن‏.‏ وقد اختلف العلماء في صورتها وبيان أحكامها على أقوال تنظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏بيعتان في بيعة‏)‏‏.‏

تقسيم وأحكام موجزة

4 - تعرّض فقهاء الحنفيّة لتفرّق الصّفقة توصّلاً لحالة هلاك بعض المبيع فحسب، حين عدّدوا الخيارات، فلم يفردوه باسم الخيار بل قرنوا التّفرّق بتلك الحالة‏.‏

ثمّ استعرضوا أحكام تفرّق الصّفقة في ردّ المعيب باستقصاء دون أن يجعلوا منه خياراً، بل رأوه عيباً يلزم عن ردّ بعض المبيع المعيب ويجب حماية البائع من تحمّله‏.‏

ولكنّ الحنفيّة اختلفوا بحالة الاستحقاق وتناولوا أحكامه في كتاب البيوع‏.‏

وقد قسّم بعض فقهاء الشّافعيّة تعدّد الصّفقة إلى ثلاثة أقسام‏:‏ في الابتداء، أو في الدّوام، أو في اختلاف الأحكام‏.‏ والّذي في الابتداء كلّه ذو سبب شرعيّ، وعكسه الّذي في الدّوام فسببه حسّيّ‏.‏ والتّقسيم بحسب السّبب أليق لقيام الخيارات بطريقين، إراديّ وحكميّ ولكثرة تسمية الخيارات بأسبابها‏.‏ أمّا القسم الثّالث الّذي دعوه ‏"‏ الاختلاف في الأحكام ‏"‏ ومثّلوا له بالجمع بين عقدين‏:‏ بيع وإجارة، أو إجارة وسلم، فالواقع أنّه ليس قسمًا برأسه بل هو تقسيم داخليّ للتّفريق في الابتداء‏.‏ ولذا لم يبرزه ابن حجر كقسم ثالث بل أورده بصورة مسائل، ولم يدرك الشّروانيّ مراده فنبّه في حاشيته على أنّه ثالث الأقسام‏.‏

ذكر الحنابلة صوراً ثلاثاً للصّفقة بالنّظر إلى وحدة مشتملاتها وتعدّدها ولا صلة لتفرّق الصّفقة بالصّورة الأولى، الّتي هي بيع معلوم ومجهول، أمّا الصّورتان الأخريان فهما‏:‏

أ - بيع الجميع فيما يملك بعضه‏.‏

ب - بيع المتقوّم مع غير متقوّم‏.‏ وهاتان الصّورتان أحكامهما واحدة من حيث ثبوت الخيار للمشتري، ولذا لوحظ أحياناً جمعهما تحت عنوان واحد عند غير الحنابلة، يعبّر عنه أحياناً‏:‏ ‏"‏ باشتمال الصّفقة على شيئين ممّا لا ينقسم الثّمن عليهما بالإجزاء ‏"‏‏.‏

والمثالان المهمّان هما‏:‏

أ - بيع ملكه وملك غيره‏.‏

ب - بيع خلّ وخمر، ونحوهما‏.‏

أمّا ما لا يصحّ العقد عليه فهو باطل أو موقوف على إجازة المالك، وأمّا الباقي ففيه روايتان لدى الحنابلة وقولان للشّافعيّ، واختلف الشّافعيّة كم يلزم المشتري من الثّمن إن أجاز العقد، أصحّهما حصّة المملوك فقط إذا وزّع القيمتين وأثبتوا له الخيار إن صحّحوا العقد‏.‏ وقال أبو حنيفة ومالك بالصّحّة في ملكه، والتّوقّف في الباقي على الإجازة‏.‏

قال ابن قدامة‏:‏ والقول بالفساد في هذا القسم إن شاء اللّه أظهر‏.‏ والحكم في الرّهن والهبة وسائر العقود إذا جمعت ما يجوز وما لا يجوز كالحكم في البيع، إلاّ أنّ الظّاهر فيها الصّحّة، لأنّها ليست عقود معاوضة، فلا توجد جهالة العوض فيها‏.‏

ثمّ ذكر أنّه على القول بالصّحّة، إذا كان المشتري عالماً بالحال فلا خيار له، وإن لم يعلم فله الخيار بين الفسخ والإمساك‏.‏ وليس للبائع خيار لأنّه رضي بزوال ملكه عمّا يجوز بيعه بقسطه‏.‏ وجه انتفاء الخيار في حال العلم أنّ المشتري دخل على بصيرة، أمّا في حال الجهل فالسّبب للخيار قائم ‏"‏ لأنّ الصّفقة تبعّضت عليه ‏"‏‏.‏

ثمّ الخيار بين الرّدّ، أو الإمساك بلا أرش، إلاّ إذا كان التّفريق ينقص القسم الباقي من الصّفقة بأن تقلّ قيمته بالبيع منفرداً كمصراعي باب وزوجي خفّ‏.‏

وأحياناً أخرى باشتمال الصّفقة على شيئين ممّا ينقسم الثّمن عليهما بالأجزاء، كدابّة مشتركة، وفيه عند الحنابلة وجهان‏:‏ أحدهما الصّحّة في ملكه فقط بقسطه من الثّمن والفساد فيما لا يملكه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وقول للشّافعيّ‏.‏ والثّاني - وهو قول آخر للشّافعيّ - عدم الصّحّة فيهما‏.‏ قال ابن قدامة‏:‏ والأولى أنّه يصحّ فيما يملكه‏.‏

ومستند فساد الصّفقة كلّها‏:‏ أنّها جمعت حلالاً وحراماً فغلب التّحريم، لأنّ الصّفقة إذا لم يمكن تصحيحها في جميع المعقود عليه بطلت في الكلّ‏.‏

ومستند الصّحّة في الجزء‏:‏ أنّ كلّ واحد منهما له حكم لو كان منفرداً فإذا جمع بينهما ثبت لكلّ واحد منهما حكمه، ولأنّ جائز العقد عليه منهما قد صدر فيه البيع من أهله في محلّه بشرطه فصحّ، والبيع سبب اقتضى الحكم في محلّين وامتنع حكمه في أحدهما فيصحّ في الآخر‏.‏

موجب خيارات تفريق الصّفقة

5 - ينحصر استعمال الخيار في الإجازة والفسخ، فينظر اختياره، فإن اختار الفسخ فلا إشكال في استرداده الثّمن كلّه، أمّا إذا اختار إمضاء العقد في الباقي فكم يدفع‏؟‏ هل كلّ الثّمن - وفيه قول للشّافعيّة - بناءً على إلحاق الطّارئ بالمقارن‏.‏

أم يلزمه قسط الباقي من الثّمن - وهو القول الثّاني للشّافعيّة والأصحّ عندهم - لأنّ العوض هنا قد قابل المبيعين ‏"‏ أو جملة المبيع الواحد ‏"‏ مقابلةً صحيحةً حال العقد وانقسم العوض عليهما فلا يتغيّر بهلاك بعضه أو استحقاقه‏.‏

وينشأ تفرّق الصّفقة المستوجب خياراً - في كثير من الأحيان - عن خيار العيب، وعندما يؤثر المشتري أن يردّ المعيب خاصّةً بحصّته من الثّمن‏.‏ لكنّ الشّارع يمنع ذلك تفادياً لتفرّق الصّفقة‏.‏ وقد فصّل الكاسانيّ الحالات الّتي ينشأ عن الرّدّ للمعيب فيها تفريق الصّفقة، وبيّن أنّ حكمها جميعها المنع باستثناء حالة واحدة هي ما لو كان المبيع أشياء حقيقةً وتقديراً فله أن يردّ المعيب خاصّةً بحصّته من الثّمن عند الحنفيّة إلاّ زفر‏.‏

6 - ولتفريق الصّفقة صور مختلفة، لكنّ طابع الخيارات يبرز في صورتين، هما‏:‏ صورة الاستحقاق الجزئيّ للمعقود عليه ‏"‏ وفي حكمه‏:‏ انفساخ العقد في أحد شيئين قبل القبض ‏"‏‏.‏ وصورة الهلاك الجزئيّ للمعقود عليه، ‏"‏ ومن صوره انقطاع بعض المسلم فيه عند محلّ الأجل ‏"‏‏.‏

أوّلاً‏:‏ خيار الاستحقاق الجزئيّ

7 - الاستحقاق في عقد البيع هو ظهور كون المبيع حقّاً واجباً للغير، وهو استحقاق كلّيّ أو جزئيّ‏.‏ فالاستحقاق الكلّيّ ‏"‏ وهو الّذي يتعلّق بالمبيع كلّه ‏"‏ يجعل العقد موقوفاً على إجازة المستحقّ، ولا ينفسخ العقد بظهور الاستحقاق ولا بالقضاء به، بل يظلّ موقوفاً إلى أن يرجع المشتري على بائعه بالثّمن، بحيث لو أجاز المستحقّ بعدما قضي له، أو بعدما قبضه قبل أن يرجع المشتري على بائعه يصحّ، على ما حقّقه ابن الهمام‏.‏

أمّا الاستحقاق الجزئيّ فهو ما يقع على بعض المبيع، سواء ظهر الاستحقاق بعد القبض، أو قبله، أو بعد قبض بعضه، ولا فرق في كون المستحقّ هو الجزء المقبوض أو غيره‏.‏ ذهب الحنفيّة إلى أنّ الاستحقاق الجزئيّ إمّا أن يظهر قبل القبض، وإمّا بعده‏:‏ فإذا استحقّ بعض المعقود عليه قبل القبض - والمراد قبض الكلّ، فلا عبرة بقبض بعض المبيع فهو كما لو لم يقبض - فحكم ذلك البعض المستحقّ أنّه موقوف، فإذا لم يجز المستحقّ فللمشتري الرّجوع على البائع بثمنه، وحينئذ يبطل العقد في ذلك البعض، أمّا الباقي فللمشتري فيه الخيار‏:‏ إن شاء رضي به بحصّته من الثّمن‏.‏ وإن شاء ردّه، سواء كان استحقاق ما استحقّ يوجب العيب في الباقي أو لا يوجب‏.‏

والوجه في بطلان العقد في بعض السّلعة المستحقّة‏:‏ التّبيّن من أنّ ذلك القدر لم يكن ملك البائع، ولمّا لم توجد الإجازة من المالك - وتلاه استرجاع المشتري للثّمن - انفسخ العقد في ذلك البعض‏.‏ أمّا ثبوت الخيار في الباقي فلتفرّق الصّفقة على المشتري قبل التّمام، وتمام الصّفقة بعد الرّضا بالقبض - وهو لم يحصل - فكان ظهور الاستحقاق قبل القبض مفرّقاً للصّفقة قبل تمامها فله خيار الرّدّ‏.‏

وإذا ظهر الاستحقاق الجزئيّ بعد القبض، كان حكم الجزء المستحقّ مماثلاً لما سبق، وأمّا الباقي فيفترق حكمه بحسب كون المبيع يتعيّب بالاستحقاق أو لا‏.‏

فإن كان المبيع من القيميّات، وكان شيئاً واحداً حقيقةً وتقديراً، كالدّار والكرم والثّوب ونحوها، أو كان شيئين من حيث الصّورة وهو واحد من حيث المعنى، كمصراعي الباب ونحوه، فإنّ استحقاق البعض يقتضي الخيار في الباقي، لأنّ الاستحقاق أوجب عيباً في الباقي، هو عيب الشّركة في الأعيان‏.‏

أمّا إن كان المعقود عليه شيئين صورةً ومعنىً كالدّارين أو الثّوبين، أو كان من المكيلات أو الموزونات، كصبرة قمح، أو جملة وزنيّ فإنّ استحقاق البعض لا يوجب للمشتري خياراً بل يلزمه أخذ الباقي بحصّته من الثّمن، لأنّه لا ضرر في التّبعيض‏.‏

وهناك رواية عن أبي حنيفة بأنّ له الرّدّ، دفعاً لضرر مؤنة القسمة‏.‏

أمّا عند الشّافعيّة، فقد ذكر ابن حجر صورتها في قوله‏:‏ ‏"‏ إنسان اشترى من آخر أرضاً مشتملةً على نخل، ثمّ تقايلا، ثمّ ادّعى البائع بطلان الإقالة، وحكم له الحاكم الشّرعيّ بذلك بشرطه، ثمّ بعد ذلك ظهر أنّ من الأرض المذكورة مغرس نخلة من النّخل المذكور مملوكاً لغير البائع حين البيع‏.‏ فهل يتخيّر المشتري حينئذ بها، وإذا قلتم نعم، فهل يمنع خياره بملك البائع المغرس المذكور وإعطائها له، أو إعطاء مستحقّها إيّاها للمشتري، أو لا‏؟‏ ‏"‏ وذهب إلى أنّ المشتري يتخيّر بذلك، لتفريق الصّفقة عليه‏.‏

ولو أراد مالك المغرس ‏"‏ غير البائع ‏"‏ هبته للمشتري لا يسقط بذلك خياره‏.‏ وهو ظاهر، أمّا الخفيّ فهو ما إذا ملك البائع ذلك المغرس، ولمّا علم ثبوت الخيار للمشتري وهبه له - أو أعرض عنه - فهذا يتردّد فيه النّظر‏.‏ وعلى هذا دلالات من نصوص الفقهاء‏.‏

ثانياً‏:‏ خيار الهلاك الجزئيّ

8 - في الهلاك الجزئيّ للمعقود عليه، قبل القبض يثبت للمشتري الخيار بين الإمضاء والرّدّ، لتفرّق الصّفقة عليه‏.‏

وهذا أمر مشترك بين حالات الهلاك المتنوّعة بالنّظر إلى السّبب، ثمّ تختلف كيفيّة الإمضاء

‏"‏ بعد استبعاد حالة هلاكه بفعل أجنبيّ حيث يستوي حكمها وحكم الهلاك الكلّيّ من التّخيير بين الإمضاء وتضمين المتعدّي أو الفسخ والتّخلية بين الأجنبيّ والبائع ‏"‏ والتّفاوت في الحكم ذو حالتين‏:‏ الهلاك بفعل البائع، وفيها يسقط من الثّمن قدر النّقص، سواء كان نقص قدر، أو نقصان وصف‏.‏ والهلاك بسبب سماويّ، أو بفعل المعقود عليه حيث يتصوّر منه ذلك‏.‏ فمع ثبوت الخيار، يطرح من الثّمن حصّة الفائت إن كان النّقص في القدر‏.‏ أمّا إن كان نقصان وصف فلا يسقط شيء من الثّمن ‏"‏ والمراد بالوصف ما يدخل تحت البيع بلا ذكر كالأشجار والبناء في الأرض، والأطراف في الحيوان، والجودة في الكيليّ والوزنيّ ‏"‏‏.‏

أمّا الشّافعيّة فقد نصّوا على أنّه إذا تلف أحد الشّيئين المعقود عليهما صفقةً واحدةً، قبل القبض، يفسخ العقد في التّالف بلا خلاف‏.‏ أمّا في الباقي فلهم فيه طريقان‏:‏ أحدهما أنّه على الخلاف فيمن باع ملكه وملك غيره، لأنّ ما يحدث قبل القبض كالموجود في حال العقد في إبطال العقد، وأصحّهما القطع بأنّه لا ينفسخ لعدم علّتي الفساد هناك‏.‏

فإذا قيل بعدم انفساخ العقد فللمشتري الخيار في الفسخ في الباقي، لتفرّق الصّفقة عليه، والأصحّ أنّه لا يلزمه إلاّ قسط الباقي، لأنّ العوض هنا قابل المبيعين مقابلةً صحيحةً حال العقد وانقسم العوض عليهما فلا يتغيّر بهلاك بعضه‏.‏

هذا إذا كان المقبوض باقياً في يد المشتري، فإن تلف في يده ثمّ تلف الآخر في يد البائع ففي الانفساخ في المقبوض خلاف مرتّب على الصّورة السّابقة، وأولى بعدم الانفساخ لتلفه في ضمان المشتري‏.‏ وإذا قيل بعدم الانفساخ، فهل له الفسخ‏؟‏ فيه وجهان‏:‏ أحدهما نعم، ويردّ قيمته ويستردّ الثّمن إن كان سلّمه، وأصحّهما لا، بل عليه حصّته من الثّمن‏.‏

وقد علّل الشّافعيّة حجب الخيار عن البائع بأنّه لم يلحقه نقص فيما يخصّ ملكه‏.‏

وممّا له حكم تلف بعض الصّفقة، ما لو انقطع بعض المسلم فيه عند المحلّ، وكان الباقي مقبوضاً أو غير مقبوض، قال النّوويّ‏:‏ فإذا قلنا‏:‏ لو انقطع الجميع لم ينفسخ العقد كان المسلم بالخيار‏:‏ إن شاء فسخ العقد في الجميع وإن شاء أجازه في الجميع‏.‏ وهل له الفسخ في القدر المنقطع والإجازة في الباقي‏؟‏ فيه قولان‏.‏

خيار التّفليس

انظر‏:‏ إفلاس‏.‏

خيار تلقّي الرّكبان

انظر‏:‏ بيع منهيّ عنه‏.‏

خيار التّولية

انظر‏:‏ تولية‏.‏